د. إبراهيم مجدي حسين يكتب: الأمن القومي النفسي للتعليم... عندما تتحول الشائعة إلى تهديد لمستقبل الأجيال
الثلاثاء، 14 يوليه 2026 - 12:52 م
بوابة أخبار اليوم
"قد تسقط مؤسسة تعليمية في أعين المجتمع قبل أن يصدر أي حكم قضائي، ليس بسبب خطأ ارتكبته، وإنما بسبب شائعة انتشرت أسرع من الحقيقة."
اعتدنا أن ننظر إلى الأمن القومي باعتباره حماية للحدود، أو الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي، أو مواجهة التهديدات العسكرية. إلا أن العالم في السنوات الأخيرة بدأ يتحدث عن بعد جديد للأمن القومي، يتمثل في حماية الثقة المجتمعية، باعتبارها أحد أهم عناصر استقرار الدول الحديثة. ومن هنا جاءت تصريحات الدولة المصرية التي أكدت أن التعليم يمثل أولوية قومية وركيزة أساسية في بناء الجمهورية الجديدة، وهي رؤية تعكس إدراكًا بأن بناء الإنسان هو حجر الأساس في أي مشروع وطني.
لكن يبقى سؤال مهم: هل يكفي تطوير المناهج وبناء المدارس إذا فقد المجتمع ثقته في مؤسساته التعليمية؟
من منظور الطب النفسي، فإن الإجابة هي: لا.
فالثقة ليست مفهومًا اجتماعيًا مجردًا، بل هي حالة نفسية جماعية تتشكل عبر سنوات من الخبرة والتجربة، ويمكن أن تهتز في أيام قليلة تحت تأثير الأخبار غير المكتملة، أو الشائعات، أو التغطيات الإعلامية غير المنضبطة. وعندما يحدث ذلك، فإن الضرر لا يصيب إدارة مؤسسة بعينها، وإنما يمتد إلى آلاف الطلاب وأولياء الأمور والعاملين الذين ترتبط حياتهم اليومية بهذه المؤسسة.
وهنا أقترح مفهومًا أرى أنه يستحق أن يكون جزءًا من النقاش العلمي والإعلامي، وهو "الأمن القومي النفسي للمؤسسات".
ويقصد به: قدرة الدولة والمجتمع على حماية الثقة العامة في المؤسسات الحيوية من التأثيرات النفسية للشائعات، والمعلومات غير الدقيقة، والاستقطاب الإعلامي، بما يحافظ على استقرار المجتمع ويعزز شعور المواطنين بالأمان والثقة.
المبادئ الخمسة للأمن القومي النفسي للمؤسسات:
أولاً: الثقة أصل استراتيجي وليست قيمة معنوية فقط. الثقة ليست شعورًا عابرًا، بل رأس مال اجتماعي تتراكم قيمته عبر سنوات من الأداء، ويمكن أن يتعرض للتآكل إذا غابت المعلومات الدقيقة أو طغت الشائعات على الحقائق.
ثانيًا: المؤسسات التعليمية أكثر حساسية من غيرها تجاه فقدان الثقة. فالطالب وولي الأمر لا يبحثان عن خدمة تعليمية فقط، بل عن بيئة مستقرة وآمنة نفسيًا. وعندما تتراجع هذه الثقة، تتأثر جودة العملية التعليمية حتى لو بقيت الإمكانات المادية كما هي.
ثالثًا: الشائعة تستهدف الإدراك قبل أن تستهدف الحقيقة. فالهدف من كثير من الشائعات ليس إثبات واقعة، وإنما خلق حالة من الشك والارتباك تجعل المجتمع عاجزًا عن التمييز بين المعلومات المؤكدة والادعاءات غير المثبتة.
رابعًا: احترام الإجراءات القضائية جزء من حماية الثقة. فالقضاء هو الجهة المختصة بحسم المنازعات، أما النقاش العام فيجب أن يظل ملتزمًا بالتفريق بين الاتهام والحكم، وبين الرأي والواقعة، وبين التقرير الفني والقرار القضائي النهائي.
خامسًا: حماية الثقة مسؤولية جماعية. فالمؤسسات التعليمية، والإعلام، والخبراء، والجهات الرسمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، جميعها تشارك في تشكيل الإدراك العام.
إن بناء مدرسة أو جامعة قد يستغرق سنوات، لكن بناء الثقة يحتاج إلى أجيال. وإذا فقد المجتمع ثقته في مؤسساته التعليمية، فإن الخسارة لا تقف عند حدود مؤسسة بعينها، بل تمتد إلى صورة التعليم نفسه، وإلى شعور الأسر بالأمان، وإلى قدرة الدولة على تنفيذ مشروعها في بناء الإنسان.
ولهذا، فإن الاستثمار في التعليم لا يبدأ من الحجرات الدراسية وحدها، ولا ينتهي عند تطوير المناهج، بل يبدأ أيضًا من حماية البيئة النفسية التي تعمل فيها المؤسسات التعليمية، ومن ترسيخ ثقافة المسؤولية في تداول المعلومات، ومن احترام القضاء، ومن تعزيز الوعي بأن الشائعة ليست مجرد خبر كاذب، بل قد تكون عاملًا يزعزع الثقة، ويضعف التماسك المجتمعي، ويؤثر في أحد أهم مقومات الأمن الوطني.
إن الدولة التي تحمي مدارسها وجامعاتها، وتحمي في الوقت نفسه ثقة المجتمع بها، لا تبني مؤسسات تعليمية فحسب، بل تبني إنسانًا أكثر وعيًا، ومجتمعًا أكثر استقرارًا، ومستقبلًا أكثر أمنًا. فالتعليم هو المصنع الذي تُبنى فيه العقول، والثقة هي الطاقة التي تُبقي هذا المصنع قادرًا على أداء رسالته.
ومن هنا، فإن حماية الثقة في التعليم ليست دفاعًا عن مؤسسة أو أشخاص، بل هي دفاعٌ عن العقل الجمعي للمجتمع، وصيانةٌ للأمن القومي النفسي الذي تحتمي به الدولة في مواجهة الأزمات، وحجر الأساس لبناء مستقبل أجيالنا القادمة.
استشاري الطب النفسي، وباحث في الطب النفسي الشرعي والسياسي